ابن حمدون

103

التذكرة الحمدونية

درهم لمائدته ، وكان مع ذلك يشره إلى طعام الناس . « 237 » - ولمّا انصرف دينار بن عبد اللَّه من الجبل ، قال المأمون لأحمد بن أبي خالد : امض إلى هذا الرجل وحاسبه ، وتقدّم إليه بحمل ما تحصّل لنا عليه . وأنفذ معه خادما [ ينهي إليه ] ما يكون منه ، قال : إن أكل أحمد عند دينار ، عاد إلينا بما نكره . ولمّا اتّصل خبر أحمد بدينار ، قال للطباخ : إنّ أحمد أشره من نفخ فيه الروح ، فإذا رأيته فقل : ما الذي تأمر أن يتّخذ لك ؟ ففعل الطبّاخ ، فقال أحمد : فراريج كسكريّة بماء الرمّان ، تقدّم مع خبز الماء السميد ، ثم هات بعد ذلك ما شئت . فابتدأ الطبّاخ بما أمر . وأخذ أحمد يكلَّم دينارا فقال : يقول لك أمير المؤمنين : إنّ لنا قبلك ما لا قد حبسته علينا : فقال : الذي لكم ثمانية آلاف ألف ، قال : فاحملها ، قال : نعم . وجاء الطبّاخ فاستأذن في نصب المائدة ، فقال أحمد : عجّل بها ، فإني أجوع من كلب . فقدّمت وعليها ما اقترح ، وقدّم الدجاج وعشرون فرّوجا كسكرية ، نصفها بماء الحصرم ، ونصفها بماء الرمان . فأكل أكل جائع نهم ما ترك شيئا ممّا قدّم ، ثم نقل الحار والبارد فما مرّ لون إلا أثر فيه ، فلما فرغ وقدّر الطباخ أنّه قد شبع ، لوّح بطيفورية فيها خمس سمكات شبابيط كأنّها سبائك الفضّة ، فقال له أحمد : قطع اللَّه يمينك ! ألا قدّمت هذا ؟ ولكن هاتها ، فوضعها بين يديه ، فأكل أكل من لم يأكل قبله شيئا ، ثم رفعت المائدة وغسلوا أيديهم ، وأعاد أحمد الخطاب ، فقال دينار : أليس قد عرّفتك أنّ الباقي لهم عندي سبعة آلاف ألف ، فقال : أحسبك اعترفت بأكثر من هذا ، قال : ما اعترفت إلا بها ، قال : فأت خطَّك بما اعترفت ، فتناول القلم وكتب بستّة آلاف ألف . فقال أحمد : سبحان اللَّه ! أليس اعترفت بأكثر من هذا ؟ قال : ما لكم قبلي إلا هذا المقدار . فأخذ خطَّه بها ، وتقدّم الخادم فأخبر المأمون بما جرى ، فلما ورد أحمد ناوله الخطَّ ، فقال : قد عرفنا ما كان من

--> « 237 » نثر الدر 2 : 243 - 244 ونهاية الأرب 3 : 345 .